
يعد مرض السكري من أكثر الأمراض المزمنة انتشاراً في العصر الحديث، ويشكل خطراً صامتاً يهدد صحة الملايين حول العالم نتيجة لارتباطه الوثيق بالعديد من العادات اليومية غير الصحية. وتؤكد الأبحاث والتقارير الطبية أن الجانب الإيجابي في هذا الملف يكمن في أن اتباع خطوات وقائية واعية وتغيير نمط الحياة اليومي يمكن أن يساهم بشكل فعال وملموس في حماية الجسم من الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني، بنسبة تصل إلى أكثر من ستين بالمئة، مما يضع المسؤولية الأولى على عاتق الفرد لحماية نفسه قبل الدخول في مرحلة الخطر.
تبدأ الخطوة الأولى والأكثر أهمية للوقاية من هذا المرض في تنظيم وتعديل النظام الغذائي اليومي والابتعاد التام عن الإفراط في تناول السكريات المباشرة، والحلويات، والمشروبات الغازية، والمعجنات المصنوعة من الدقيق الأبيض. وتشير التوجيهات الطبية إلى أن هذه الأطعمة تتسبب في حدوث ارتفاعات مفاجئة وحادة في مستويات الجلوكوز بالدم، مما يجهد البنكرياس ويجبره على إفراز كميات ضخمة من الإنسولين، ومع مرور الوقت تضعف كفاءة الخلايا وتصاب بحالة من مقاومة الإنسولين التي تمهد الطريق للإصابة بالمرض؛ لذلك يكمن البديل الصحي في الاعتماد على الكربوهيدرات المعقدة مثل الشوفان، والحبوب الكاملة، والبقوليات التي تمد الجسم بالطاقة ببطء وتوازن.
يرتبط الوزن الزائد وتراكم الدهون، وتحديداً في منطقة البطن أو ما يعرف علمياً بالسمنة الموضوعية، بشكل مباشر بزيادة احتمالات الإصابة؛ حيث تعيق هذه الدهون المتراكمة عمل هرمون الإنسولين وتمنعه من إدخال السكر إلى الخلايا للاستفادة منه. وينصح المتخصصون في الرعاية الصحية بضرورة العمل على خسارة الوزن الزائد حتى وإن كانت النسبة بسيطة، حيث أظهرت الإحصاءات الطبية أن التخلص من خمسة إلى سبعة بالمئة من الوزن الإجمالي للجسم يساعد بشكل مذهل في تحسين كفاءة التمثيل الغذائي وضبط معدلات السكر في الدم ضمن مستوياتها الطبيعية والآمنة.
تأتي ممارسة النشاط البدني بانتظام كركيزة أساسية لا غنى عنها في الخطة الوقائية اليومية، حيث تساهم الرياضة في زيادة حساسية الخلايا للإنسولين وحرق الجلوكوز الزائد في الدم لاستخدامه كطاقة للعضلات. ولا يشترط ذلك ممارسة تمارين عنيفة أو شاقة، بل يوصي الأطباء بالمشي السريع لمدة ثلاثين دقيقة يومياً بمعدل خمس مرات في الأسبوع، أو ممارسة السباحة وركوب الدراجات، حيث يساعد هذا الانضباط الحركي في تنشيط الدورة الدموية، وتقليل نسب الكوليسترول الضار، وحماية الشرايين والقلب من الإجهاد المستمر الناتجة عن الخمول البدني.
ويشدد أطباء الغدد الصماء على أهمية النوم المنتظم لعدد ساعات كافية لا تقل عن سبع ساعات ليلاً، والابتعاد عن التوتر والضغط النفسي المستمر الذي يرفع هرمون الكورتيزول المسبب لاضطراب السكر. كما تبرز الأهمية القصوى لإجراء الفحوصات الطبية الدورية، وخاصة تحليل السكر التراكمي مرة كل عام، للاكتشاف المبكر لأي خلل في الجسم وتدارك الأمر في مرحلة ما قبل السكري، وهي المرحلة الذهبية التي يمكن من خلالها عكس مسار المرض تماماً والعودة إلى الحياة الصحية السليمة دون الحاجة إلى استخدام العقاقير الطبية المزمنة.



