«نعمة الحياة» أمانة يحميها الطب ويقدسها الدين

أجرى الحوار: آسيا محمد – مها حسن
بين أروقة العيادات النفسية ومنابر الوعظ الديني، تبرز قضية “الانتحار” كواحدة من أعقد الملفات التي تؤرق السلم المجتمعي هذه الأيام، حيث تتداخل فيها خيوط المرض النفسي بضغوط الحياة ووازع الروح. وفي ظل تسارع وتيرة الحياة المعاصرة، لم يعد الصمت خياراً، بل أصبح التكامل بين الطب النفسي و الخطاب الديني المستنير ضرورة حتمية لفك شفرات اليأس التي تحاصر النفوس.
في هذا التحقيق، نفتح ملف “حماية نعمة الحياة” من زاويتين متكاملتين؛ يأتي صوت العقل والإيمان بلسان فضيلة الشيخ الدكتور أسامة قابيل، من علماء الأزهر الشريف، ليؤكد أن النفس أمانة إلهية لا يملك الإنسان حق إنهائها، محذراً من القسوة في الحكم على المعذبين، وداعياً إلى خطاب ديني رحيم يرى في مريض الاكتئاب إنساناً يحتاج للاحتواء لا للإقصاء.
وعلى الجانب الآخر، حيث يضع لنا المتخصصون الطبيون أيديهم على “علامات الخطر الداهم” وفقدان الشغف، كاشفين عن أحدث التقنيات العلاجية التي وصلت إليها مصر مؤخراً، من التحفيز المغناطيسي إلى العلاجات الدوائية المتطورة، مؤكدين أن التشخيص السليم هو حائط الصد الأول.

كيف ينظر الدين إلى الانتحار؟
يقول فضيلة الشيخ الدكتور أسامة قابيل ينظر الإسلام إلى النفس الإنسانية على أنها أمانة عظيمة وهبة من الله تعالى، لا يجوز للإنسان أن يعتدي عليها أو يُنهيها بيده، لأن الله هو واهب الحياة وهو وحده صاحب الحق في أخذها، وقد جاء التحذير واضحًا في القرآن الكريم، قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}، وقال سبحانه: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، وفي السنة النبوية، ورد وعيد شديد في هذا الأمر، يبيّن خطورة هذا الفعل. ومع ذلك، فإن منهج الإسلام قائم على الرحمة، فلا يُغلق باب الأمل، ولا يُحكم على الأشخاص بقسوة، بل يُنظر إلى المنتحر على أنه إنسان كان يعاني ويحتاج إلى دعم ورحمة، مع التأكيد أن الحكم لله وحده.
ما الرسالة التي توجهها لمن يشعر باليأس؟
أقول لكل من أثقلته الهموم وأرهقه الحزن: تمسّك بالأمل، فالله لا يغلق بابًا إلا ويفتح أبوابًا أخرى، ولا يبتلي عبدًا إلا وهو يعلم قدرته على الصبر، قال تعالى: {لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ}، وقال سبحانه: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}، واعلم أن الله قريب منك، يسمع دعاءك ويرى ضعفك، فلا تتحمل وحدك، واستعن بالله وبمن حولك، فطلب المساعدة قوة وليس ضعفًا.
هل ضعف الوازع الديني سبب في انتشار الظاهرة؟
ضعف الصلة بالله قد يحرم الإنسان من مصدر مهم للطمأنينة، فالإيمان يمنح القلب سكينة في مواجهة الأزمات، قال تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}، لكن من الخطأ اختزال الظاهرة في هذا السبب فقط، لأن هناك عوامل نفسية مثل الاكتئاب والقلق، إلى جانب ضغوط اجتماعية واقتصادية قد تدفع الإنسان إلى حافة اليأس، لذلك، يجب أن نتعامل مع الأمر بنظرة متوازنة، دون إصدار أحكام قاسية، بل نحتوي من يعاني وندعمه.
كيف يمكن للمؤسسات الدينية دعم الصحة النفسية؟
المؤسسات الدينية لها دور مهم في نشر الوعي من خلال خطاب ديني رحيم ومتوازن، يُشعر الإنسان بأن الله رحيم به، ويمنحه الأمل، كما يمكنها تنظيم برامج توعوية تربط بين الإيمان والصحة النفسية، وفتح باب الاستشارات، وتدريب الأئمة على فهم الأزمات النفسية، مع التعاون مع الأطباء والمتخصصين، فالدين هنا يكون داعمًا ومساندًا، وليس بديلًا عن التخصص.
كيف يمكن الجمع بين العلاج النفسي والدعم الديني؟
الجمع بين العلاج النفسي والدعم الديني هو الطريق الأمثل، لأن الإسلام يدعو إلى الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله، فالمريض يحتاج إلى طبيب مختص للعلاج، وفي الوقت نفسه يحتاج إلى دعم روحي يمنحه الصبر والثبات، فالالتزام بالعلاج، مع الصلاة والدعاء والذكر، أمور تكمل بعضها البعض، ليصل الإنسان إلى التوازن النفسي والروحي ويستعيد عافيته بإذن الله.
فيما كشف الدكتور جمال فرويز أستاذ الطب النفسى عن”علامات الخطر الداهم” وفقدان الشغف، وأحدث التقنيات العلاجية التي وصلت إليها مصر مؤخراً، من التحفيز المغناطيسي إلى العلاجات الدوائية المتطورة، مؤكدين أن التشخيص السليم هو حائط الصد الأول.

ما هي الأسباب التي قد تدفع الشخص لاتخاذ قرار الانتحار ؟
هناك أسباب متعددة تدفع الفرد نحو الانتحار، ويأتي على رأسها “الاكتئاب”. ومع ذلك، قد يحدث الانتحار نتيجة “الاندفاعية”؛ فمثلاً نجد حالات انتحار بين الأطفال الصغار بدافع التقليد، حيث يشاهد الطفل مشهداً للانتحار في فيلم أو مسلسل ويبدأ بمحاكاته، مما يؤدي للوفاة للأسف. كما توجد فئة من “المراهقين العصبيين” الذين يعانون من قلق وتوتر مرتفع؛ هؤلاء عند تعرضهم لأي موقف ضاغط، قد يلجأون للانتحار بشكل مباشر، وهو ما نسميه “تدهور سن المراهقة”.
ما هو الدور الذي تلعبه الأمراض النفسية فى دفع صاحبها للانتحار؟
هناك “الاكتئاب التفاعلي” الذي يزول بزوال مسبباته، فمثلاً المريض المصاب بالسرطان أو نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)، حينما يشعر بفقدان الأمل في الشفاء، قد يقدِم على الانتحار. كذلك مريض “الاكتئاب الوجداني” قد ينتحر إذا أُهملت حالته. ولا ننسى مريض “الفصام”، الذي قد تهاجمه “هلاوس سمعية” تأمره وتدفعه للانتحار؛ فكل هذه الأسباب تندرج تحت الدوافع الانتحارية.
هل يُعد الاكتئاب المؤدي للانتحار مرضاً قابلاً للعلاج ؟
بكل تأكيد، الاكتئاب مرض قابل للعلاج. ورغم وجود نسبة ضئيلة لا تتعدى 1% من المرضى الذين لا يستجيبون للعلاجات التقليدية، إلا أننا نمتلك الآن تقنيات حديثة جداً. لدينا العلاج عن طريق التحفيز بالتيار المباشر (tDCS)، والتحفيز المغناطيسي المتكرر للدماغ (rTMS)، بالإضافة إلى عقار “السكيتامين” (Esketamine) والأدوية الحديثة الأخرى. والجدير بالذكر أن كل هذه العلاجات متوفرة الآن في مصر داخل المراكز الطبية المتخصصة.
ما هي الركيزة الأساسية التي تعتمد عليها نجاح العلاج؟
النقطة الجوهرية هي “التشخيص السليم” والمتابعة الدقيقة للحالة. حينما نجد أن المريض لا يستجيب للعلاج بشكل كافٍ، وأن الحالة بدأت تدخل في منعطف خطير، نوصي فوراً بـ “دخول المصحة النفسية”؛ فهذا الإجراء يمثل حماية للمريض وأماناً له من إيذاء نفسه.
هل تؤثر العوامل الاجتماعية والحالة الأسرية على معدلات الاستجابة للعلاج؟
طبعاً، فمن الضروري توفير فرص حياتية مستقرة للمريض، ومحاولة حل مشاكله الأسرية أو المهنية لمساعدته على التجاوز. إحصائياً، يمثل مرضى الاكتئاب نحو 2% إلى 3% من المجتمع. والمريض المتزوج غالباً ما يكون وضعه أفضل من الأعزب أو المطلق أو الأرمل، أو من يعاني من اضطرابات أسرية حادة. كما نراعي العوامل الهرمونية، فمثلاً إذا كانت المريضة تتناول حبوب منع الحمل وتعاني من نوبات اكتئابية، فقد نوصي بإيقافها فوراً.
متى يصل المريض إلى “مرحلة الخطر” التي تستوجب تدخلاً فورياً ؟
تظهر علامات الخطر عند الفقدان الكامل للشغف، وبطء الحركة، وثقل نبرة الصوت، والانعزال التام في السرير مع رفض الرد على الهاتف أو الذهاب للعمل أو التعامل مع البشر. هنا يجب تدخل المتخصص فوراً. ومن الملاحظ أن المريض الذي يمتلك فكرة انتحارية غالباً ما يفصح عنها بصراحة عند سؤاله؛ فإذا قال إن الفكرة موجودة لكنها “غير مسيطرة”، نكتفي بالعلاج الدوائي.
وفي حال كانت الفكرة الانتحارية قد أحكمت سيطرتها على ذهن المريض؟
إذا كانت الفكرة “مسيطرة” وهناك خشية حقيقية من تنفيذها، فإن مكان المريض الصحيح هو “المستشفى”. يُوضع المريض في غرفة مخصصة مع مرافق تمريضي ملاصق له على مدار الساعة، ويخضع لعلاجات مكثفة. في هذه الحالات، قد نلجأ إلى تقنية “تنظيم إيقاع الدماغ بالكهرباء” بجانب العلاج الدوائي، وغالباً ما يعود المريض لحالته الطبيعية .
وتضيف الدكتورة منى العشرى أستشارى علم النفس عن آثر الضغوط الاجتماعية والاقتصادية على الحالة النفسية، وعن وصمة العار الذى قد يشعر بيها بعض المرضى، وتقدم نصائح ذهبية تساعد أصحاب الأفكر الانتحارية:

ما هي الدوافع الحقيقية التي توصل الشخص لمرحلة اتخاذ قرار الانتحار؟
الشخص الذي يصل لهذه المرحلة يكون غالباً ضحية لتراكمات وضغوط هائلة لا يملك القدرة على تحملها. هذا الوضع يدفعه للدخول في اكتئاب شديد وإحساس بالوحدة وفقدان تام للشغف، حيث يرى أن الأوضاع لن تتحسن وأنه لا يوجد مستقبل. وفي الحقيقة، هو لا يريد إنهاء حياته لذاتها، بل يريد فقط التخلص من الألم النفسي الشديد الذي يعتصر داخله.
كيف تؤثر الضغوط المحيطة (سواء الاقتصادية أو الاجتماعية) على استقرار الحالة النفسية؟
عندما تجتمع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية معاً، فإنها تسبب إحساساً عاجزاً شديداً وإرهاقاً نفسياً كبيراً. السبب في ذلك هو أن المخ يتعامل مع هذه الضغوط كأنها “خطر” يهدد الإنسان، مما يدفعه لاستنزاف طاقته بالكامل، وهذا يؤثر بشكل تلقائي على مشاعره، سلوكه، وطريقة تفكيره.
لا يزال البعض يرى العلاج النفسي “وصمة” أو “ضعفاً”.. كيف ترين هذا التحدي؟
للأسف، هذه الوصمة تمنع الكثيرين من طلب المساعدة، رغم أن الوعي بدأ يتحسن مؤخراً. يجب أن نتوقف عن رؤية الضغط النفسي كـ “دلع” أو ضعف، بل هو مرض حقيقي يحتاج لعلاج مثل أي مرض جسدي آخر، ومن الضروري معالجته قبل أن تتراكم آثاره.
ما هي النصيحة الذهبية للوقاية من الوصول لهذه المرحلة المظلمة؟
الوقاية تبدأ بالاعتراف بوجود الضغط النفسي وعدم إنكاره. يجب علينا أن نعبر عما بداخلنا وألا نكبت مشاعرنا، وأن نتحدث مع أشخاص نثق بهم ولا يصدرون أحكاماً علينا. أيضاً لابد من الاهتمام بالدعم الاجتماعي، وتنظيم الأكل والنوم، وطلب المساعدة المتخصصة دون تردد. تذكروا دائماً أننا لسنا مضطرين لنكون أقوياء طوال الوقت، فالقوة الحقيقية هي أن تدرك متى تحتاج للمساعدة.

كشف الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، عن « علامات الخطر الداهم » التي تظهر على المراهقين قبل الإقدام على الانتحار، مشدداً على ضرورة الانتباه للتغيرات السلوكية الحادة، وأوضح الدكتور وليد هندي أن هناك إشارات واضحة تسبق « علامات الخطر الداهم » لدى الأبناء. علاوة على ذلك، يأتي إهمال النظافة الشخصية كدليل قوي على تدهور الحالة النفسية. لذلك، يجب مراقبة مدى اهتمام المراهق بمظهره اليومي. بالإضافة إلى ذلك، يعد اختلال الساعة البيولوجية، حيث ينقلب ليله نهاراً، مؤشراً خطيراً.
العزلة الاجتماعية.
تعتبر العزلة من أبرز « علامات الخطر الداهم » التي تستوجب التدخل الفوري من الأسرة. ومن ناحية أخرى، يلجأ المراهق أحياناً إلى الخرس الاختياري والانسحاب الكامل من النشاطات الاجتماعية المعتادة. بالتالي، يبتعد عن الأصدقاء والأقارب بشكل غير مبرر تماماً. كما يفضل البقاء وحيداً لفترات طويلة داخل غرفته. ونتيجة لذلك، يسهل وقوعه فريسة للأفكار السوداوية القاتمة.
رسائل السوشيال ميديا وتلميحات الانتحار الرقمية
حذر استشاري الصحة النفسية من تجاهل ما ينشره المراهقون كجزء من « علامات الخطر الداهم » لديهم. بالإضافة إلى ذلك، تظهر بعض الرسائل القاتمة والبوستات الحزينة على منصات فيسبوك وإنستجرام. لذلك، يجب متابعة النشاط الرقمي للأبناء بحذر واهتمام شديدين. علاوة على ذلك، قد يحمل المحتوى المكتوب رغبة ضمنية في الرحيل. بالتالي، تصبح وسائل التواصل الاجتماعي مرآة كاشفة للنوايا الانتحارية.
التهديدات اللفظية المباشرة والرسائل الضمنية للأهل
أشار الدكتور هندي إلى خطورة التهديدات التي يوجهها المراهق لأسرته ضمن « علامات الخطر الداهم » المكتشفة. فمثلاً، جملة مثل “بكرة هخليكم ترتاحوا مني” ليست مجرد غضب عابر. بل هي رسالة واضحة بأنه يخطط لإنهاء حياته قريباً. ومن ناحية أخرى، قد يقول “بكرة هعذبكم العمر كله” كنوع من العقاب النفسي. لذلك، يجب أخذ هذه الكلمات بمحمل الجد التام.



