أهم الأخبارسلايدمنوعات

«الموناليزا» في عيادة السمنة… كيف كشف الفن أسرار الجسد عبر العصور؟

لم تعد لوحة «الموناليزا» مجرد ابتسامة غامضة حيّرت العالم لقرون، بل تحولت اليوم إلى محور دراسة طبية وفنية تفتح باباً جديداً لفهم نظرة البشر إلى السمنة والجمال عبر التاريخ.

فبين أروقة الفن الكلاسيكي وقاعات المؤتمرات الطبية الحديثة، عاد خبراء الصحة لقراءة أشهر اللوحات العالمية بعين مختلفة، لا تبحث عن الجمال فقط، بل تحاول فك شفرات الجسد الإنساني وتغير معاييره من عصر إلى آخر.

وفي طرح أثار اهتماماً واسعاً خلال المؤتمر الأوروبي للسمنة الذي عُقد في إسطنبول، قدّم الدكتور مايكل يافي، اختصاصي الغدد الصماء للأطفال بجامعة تكساس، رؤية غير تقليدية اعتبر فيها أن شخصيات فنية شهيرة، وعلى رأسها بطلة لوحة «الموناليزا»، ربما كانت تعاني زيادة في الوزن، مشيراً إلى أن هذا الأمر لم يكن يُنظر إليه في الماضي باعتباره عيباً أو مشكلة صحية، بل كان دليلاً على الرفاهية والمكانة الاجتماعية المرتفعة.

وأوضح يافي أن المجتمعات القديمة ربطت بين الامتلاء الجسدي والرخاء الاقتصادي والقوة، لذلك ظهر الملوك والنبلاء والقادة في اللوحات التاريخية بأجساد ممتلئة، باعتبارها رمزاً للنفوذ والثراء.

أما النساء، فكانت زيادة الدهون لديهن مرتبطة بمعايير الجمال والخصوبة والاستقرار الأسري، وهو ما انعكس بوضوح في كثير من الأعمال الفنية التي خلدها التاريخ.

وأشار الباحث إلى أن لوحة «الموناليزا» التي رسمها الفنان الإيطالي الشهير Leonardo da Vinci قد تكون مثالاً واضحاً على هذا التصور القديم للجمال. فبطلة اللوحة، ليزا غيرارديني، ظهرت بملامح وجسد يعكسان زيادة في الدهون، ما دفع بعض الباحثين سابقاً إلى التكهن بإصابتها باضطرابات في التمثيل الغذائي، بينما يرى يافي أن التفسير الأقرب يتمثل في تأثير الحمل المتكرر، خاصة أنها كانت أماً لأربعة أطفال وقت رسم اللوحة.

ولم تتوقف الدراسة عند «الموناليزا»، بل امتدت إلى تماثيل ولوحات من حضارات مختلفة. فتمثال «فينوس ويلندورف»، الذي يعود عمره إلى نحو 30 ألف عام، يُظهر امرأة بتفاصيل جسدية مبالغ فيها، في إشارة واضحة إلى ارتباط الامتلاء بالقوة والخصوبة. كما أشار يافي إلى أن الأساطير اليونانية كثيراً ما صورت آلهة الثروة بأجساد ضخمة، بينما احتفى فنانو عصر النهضة الأوروبية بالنساء الممتلئات باعتبارهن النموذج المثالي للجمال.

وتطرقت الدراسة أيضاً إلى التاريخ العثماني، إذ أوضح الباحث أن عدداً كبيراً من السلاطين العثمانيين جرى تصويرهم بأجساد بدينة أو بملامح تشير إلى السمنة، باعتبارها رمزاً للقوة والهيبة السياسية. ويرى أن هذه الصور الفنية تمنح الأطباء المعاصرين فرصة لفهم كيف تغيّرت نظرة المجتمعات إلى الجسد مع مرور الزمن.

وبحسب يافي، فإن إدراك الأطباء لهذه الخلفية التاريخية قد يساعدهم على التعامل مع مرضى السمنة بقدر أكبر من التعاطف، بعيداً عن الأحكام المسبقة المرتبطة بالمظهر الخارجي. فالسمنة، وفقاً لرؤيته، لم تكن دائماً مرتبطة بالوصمة الاجتماعية كما هو الحال اليوم، بل كانت في مراحل طويلة من التاريخ علامة إيجابية تحمل دلالات الرفاهية والصحة.

وفي المقابل، توقع الباحث أن يشهد الفن المعاصر تحولات جديدة في طريقة تصوير الجسد، خاصة مع الانتشار الواسع لأدوية إنقاص الوزن الحديثة مثل Wegovy وMounjaro، التي أصبحت تؤدي إلى ملامح وجه نحيلة بصورة ملحوظة لدى بعض المستخدمين.

ويرى أن هذه التغيرات الجسدية ستنعكس قريباً في الأعمال الفنية الحديثة، تماماً كما وثّقت اللوحات القديمة ملامح الجمال السائدة في عصورها. بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين قال إن الفنان الإسباني Pablo Picasso لو كان حياً اليوم، ربما كان سيرسم ما يُعرف حالياً بـ«وجه أدوية التخسيس» بوصفه رمزاً جديداً لعصر مختلف.

ومع التحولات الاجتماعية والإعلامية خلال العقود الأخيرة، تبدلت معايير الجمال بصورة كبيرة، إذ أصبحت النحافة مرتبطة بالأناقة والجاذبية، بينما تعرضت السمنة لحملات وصم متزايدة، سواء في الإعلانات أو السينما أو الموضة. وهكذا، لم تعد «الموناليزا» مجرد لوحة تاريخية، بل نافذة تكشف كيف غيّر الإنسان نظرته إلى الجسد، وكيف يواصل الفن تسجيل هذه التحولات جيلاً بعد جيل.

إعلان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى