أوروبا تفكك السدود المهجورة لإنقاذ الأنهار واستعادة التوازن البيئي

تشهد القارة الأوروبية خلال السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في سياسات إدارة الأنهار والموارد المائية، مع اتجاه متزايد نحو إزالة السدود والحواجز القديمة التي فقدت دورها الوظيفي، في محاولة لإعادة الحياة الطبيعية إلى المجاري المائية وتعزيز التوازن البيئي الذي تعرض لتأثيرات سلبية على مدار عقود طويلة.
وتعمل حكومات أوروبية بالتعاون مع منظمات بيئية على تفكيك منشآت مائية كانت تُستخدم سابقًا في تشغيل الطواحين أو توليد الكهرباء أو خدمة أنشطة صناعية توقفت منذ سنوات، بعدما أصبحت تلك المنشآت تشكل عائقًا أمام تدفق الأنهار وتؤثر على الأنظمة البيئية والكائنات الحية المرتبطة بها.
وفي فنلندا، برزت نتائج هذه الخطوات بشكل واضح عقب إزالة عدد من السدود الكهرومائية على نهر هيتولانيوكي، حيث استعادت المياه مسارها الطبيعي، كما تراجعت درجات حرارة النهر وعادت أسماك السلمون إلى الهجرة عبر مجراه بعد غياب استمر لأكثر من مئة عام بسبب الحواجز التي منعتها من الوصول إلى مناطق التكاثر الطبيعية.
وتؤكد تقارير بيئية حديثة أن أوروبا سجلت خلال عام 2025 أعلى معدل لإزالة الحواجز المائية، بعدما جرى تفكيك أكثر من 600 سد ومنشأة مائية في 21 دولة أوروبية، وهو ما ساهم في إعادة ربط آلاف الكيلومترات من الأنهار التي كانت مقطعة بفعل المنشآت الصناعية القديمة.
وتأتي هذه التحركات ضمن خطة أوروبية تستهدف استعادة 25 ألف كيلومتر من الأنهار الحرة بحلول عام 2030، بهدف تعزيز التنوع البيولوجي وتحسين قدرة الأنظمة البيئية على مواجهة التغيرات المناخية والظواهر الجوية المتطرفة.
ويرى متخصصون في الشأن البيئي أن العديد من السدود القديمة لم يعد يؤدي أي دور اقتصادي حقيقي، بينما استمرت أضراره البيئية، خاصة فيما يتعلق بإعاقة حركة الأسماك المهاجرة ورفع درجات حرارة المياه وإبطاء حركة الرواسب الطبيعية داخل الأنهار، ما يؤثر سلبًا على جودة المياه والحياة المائية.
كما يحذر خبراء من أن بعض الخزانات الناتجة عن السدود تساهم في زيادة معدلات التبخر وتراكم المواد العضوية التي تتحلل لاحقًا مطلقة غاز الميثان، أحد الغازات المرتبطة بظاهرة الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية.
وتشير الدراسات البيئية إلى أن تقسيم الأنهار إلى أجزاء منفصلة يقلل من قدرة الطبيعة على التكيف مع موجات الجفاف والفيضانات، الأمر الذي يدفع العديد من الدول الأوروبية لإعادة تقييم جدوى الإبقاء على المنشآت المائية غير الضرورية.
ورغم المكاسب البيئية الكبيرة، فإن عمليات إزالة السدود تحتاج إلى دراسات هندسية دقيقة ومراجعات بيئية شاملة، فضلًا عن التنسيق مع المجتمعات المحلية والجهات الاقتصادية المتأثرة، خاصة في المناطق التي تعتمد على بعض السدود كمصدر للطاقة أو المياه.
ومع ذلك، تؤكد التجارب الأوروبية أن النتائج الإيجابية تظهر سريعًا بعد إزالة الحواجز، سواء من خلال تحسن جودة المياه أو عودة الحياة البرية واستعادة الأنهار لقدرتها الطبيعية على التجدد والتدفق الحر.
ويؤكد خبراء البيئة أن نجاح هذه المبادرات يتطلب استمرار إزالة السدود والمنشآت غير المستخدمة، بالتوازي مع تنفيذ خطط متكاملة لإحياء الأحواض النهرية، بما يعزز حماية التنوع البيولوجي ويرفع قدرة الأنظمة المائية على مواجهة التغيرات المناخية المتسارعة.



